مفترسة الشيبسي...خالد سليمان
مفترسة الشيبسي :*بقلم وألوان خالد سليمان
**************************************************
أحيانا تصدمنا الحياة بأشخاص يلقّنوننا دروسا خاصة بلا مقابل ، وعندها تتغيّر أفكارنا سريعا ، رغم أنّ كثيرين منّا ظلّوا يقنعوننا ساعات وساعات دون فائدة ، ودون بارقة أمل واحدة في الاقتناع ، ولكن عندما تتحوّل المواقف إلى معلّم عنده نسمع ونطيع ونتحوّل إلى أطفال صغار في قمة الطاعة .
في العاشرة مساء أمس ركبنا سيارة تقلّنا إلى رأس البرّ ، وأثناء انتظارنا اكتمل الركاب إلا اثنين ، وانتظرنا حتى اكتمل المقعد الخلفي ، وما هي إلا لحظات حتى سمعت صوتا مقززا سيمفونية من حرف الشين المفخّم بارتفاع وانخفاض ؛ حتى انتهت المقطوعة بحرف الواو مكررا ألف مرّة في اللحظة ، وأعلنت اشمئزازي بالنظر خلفي مرات ومرات ، ولكن أروكسترا الشين والواو مضافا إليها حرف الخاء أحيانا مكررا ألف مرة في الثانية ،
وبدأت أنفجر غيظا وكمدا ولا سيّما وهدوء الليل يبسط خيمته على اللحظات إلا من أروكسترا الشيبسي المزعجة تعزفها آنسة تجلس خلف أذني مباشرة ، وكلّما سكت الصوت أهنئ نفسي بانتهاء الشيبسي ومعزوفته الغبية ، ولا تكتمل فرحتي ؛ فسرعان ما يبدأ العزف العجيب مبدوءا بالخاء المكرّرة أحيانا والشين أحيانا وما بينهما جيوش من حرف الواو ، يرافقها النفخ والشفط حتى كدت أصعق من هول ما أسمع ؛ فقد خفت على نفسي أن أكون بين أصابع تلك الآنسة المفترسة في لحظة وبين أسنانها في اللحظة الأخرى وفي الثالثة في قاع معدتها ،
وتكرّر الاشمئزاز مرات ومرات ؛ حتى كدت أنفجر ضاحكا صارخا راجيا أن تلقي ما في يدها حتى نستريح ، لم أكن وحدي متألّما منزعجا ؛ فقد كان المحيطون بتلك الآنسة ينصتون ، ويتضجّرون في صمت بينما كنت أغلي وأغلي غليانا مكتوما مكبوتا ،
وأخيرا طلبت التوقف عند مكان نزولها ، ولم ترحمنا من وجبة الضجر التي أعدّتها لنا ، ولم تحرمنا من المعزوفة الأخيرة العجيبة أثناء نزولها ، فيبدو أنّها قد ملأت كفيها شرائح الشيبس وقذفت بها في فمها ، وبدأت معزوفة الشين المفخّمة مصحوبة بنفخ مفاجئ ، ثمّ تبعها شفط رأسي تحوّل إلى أفقي ؛ ليخرج حرف الواو مكررا بسرعة ألف مرة في اللحظة ، منعه من الاستمرار زفير ساخن لامس رأسي بلهيب سخيف ،
راقبتها باهتمام عند النزول ؛ لأهنّئ نفسي إلى الأبد بكسر أسوأ إسطوانة مشروخة سمعتها في حياتي ، والعجيب أنني لم أكن وحدي متضجرا من تلك الإسطوانة ، ولكني بالتأكيد كنت المستمع الوحيد الذي سمعها بكل حشود الشين المحترقة ، وجيوش الواو الملتوية وجموع الخاء المنفجرة ، كلمة أريد أن أقولها لكم : لا أسمعكم الله ما سمعت ، ولا ذقتم لهيب النفخ ولا تيارات الشفط السخيفة .

تعليقات
إرسال تعليق