الى أمي الغالية...خالد سليمان
بمناسبة مرور ألف يوم على فراق أمّي - رحمها الله - ، ومن التوافق العجيب أنّ أبي توفّاه الله يوم الجمعة 13 - 3 - 2015 ، وتوفيت والدتي بعده بيوم فقد توفيت يوم الأحد 15 - 3 ، رحمهما الله ، ورحم زوجتي ورحم أموات المسلمين جميعا :
إلى أمّي الغالية - رحمها الله ، أسوق مواقف من طفولتي :*بقلم خالد سليمان
**************************************************
أمّي ، رئيس وزراء الأسرة ، ووزير الداخلية في المنزل ، وبيدها صلاحيات وزير الدفاع إن اضطر الأمر لذلك ، ووزير إعلامنا الجميل - رحمها الله - ، أقول لأمهات اليوم : من فيكنّ كأمّي ؟
بمناسبة الشتاء وشوارعنا المليئة بالماء والمكتظّة بالطين ، أذكر لكم إجراءات الأمن المشدّدة التي كانت تُتخذ في المنزل ، تستيقظ أمّي فجرا وتجهّز لنا إفطارنا ، وكل إفطارنا صناعة يديها ، ثمّ تبدأ في إيقاظنا ، وقد كنت أستيقظ بنداء واحد فقط لا ثاني له : خالد ، المدرسة ، فأقول بصوت تسمعه أمي : الحمد لله الذي أحيانا ، ثمّ تقول بصوت هادئ ، من أوّل من ((تصبّح)) عليه ؟ فأقول : ربنا ، أصبحنا وأصبح الملك لله ،
ثمّ نتوضّأ بالماء البارد ، وأمي تنتظرنا ؛ لترى وصول الماء للمرفقين ، وكذلك وصول الماء للكعبين ، ثمّ تأمرنا بارتداء ملابس المدرسة ، وترقب القميص المكوي ، وتتأكّد من نظافة الجورب ، ثمّ من ينال رضاها في الأناقة تأمره بالصلاة ، وتجلس على كرسيّها ؛ لترقب صلاتنا وبمجرد الانتهاء ؛ تأتي الملاحظات : لماذا تصلّي بسرعة ؟ ،
هل قرأت الفاتحة ؟ ،
وماذا قرأت بعدها ؟ ،
لماذا قلت سبحان ربي العظيم بسرعة ؟ ،
تأنّ في صلاتك وفي ركوعك وسجودك ،
وبعد السلام وانتهاء الصلاة ، يأتي النداء : اختم صلاتك ، وقد كان أخي الأكبر قد كتب لنا أذكار ختام الصلاة بخط واضح على الحائط باتجاه القبلة ، وأذكر مرة قلت : ربنا ولك الحمد ولك الشكر ، وبعد الصلاة نادتني : خالد : ماذا قلت بعد الوقوف من الركوع ؟ ، فقلت : ربنا ولك الحمد ولك الشكر ، فقالت : من أين لك كلمة الشكر ؟ قلت لها : الناس تقول ذلك في المسجد ، فقالت : هل سمعتني أقول الشكر ، فقلت لا ، قالت : ربنا ولك الحمد فقط مفهوم ؟ ؛ فلا أملك إلا أن أقول : مفهوم يا أمي .
ثمّ يأتي الإفطار الذي يتوقّف عليه الخروج للمدرسة أم البقاء في المنزل ، ثمّ نجلس على مائدة خشبية أنيقة كلّ في مكانه ، ولا أحد يتناول طعامه إلا باكتمال أخويّ أحمد ومحمّد ، وبعد أن يكتمل الجلوس ، يبدأ أخي الكبر طعامه قائلا : بسم الله ، ونبدأ بعده بقولنا : بسم الله ، وأذكر أنني قلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، من سعادتي بطبق الأرز باللبن والمكسرات ، فقالت : قل بسم الله فقط ، الشيخ في الراديو قال : بسم الله فقط ، فأقول بسم الله ، وتأتي التوجيهات : لا تأكل بسرعة امضغ الطعام جيدا ، أغلق فمك عند المضغ، لا تضحك أثناء الأكل ،
وكان التوجيه يقال مرة واحدة ، وتبدأ لحظة الخروج ، وتطلب منّا أن نقرأ دعاء الخروج من البيت وتقول كلمتها المشهورة : جدّدوا نيّتكم ، بأن تطلبوا العلم النافع ابتغاء مرضاة الله ،
وقبل الخروج تتأكّد من نظافة الحذاء وتلميعه ، وآه من احتيالي عليها مرة ؛ لأنني لم أنظّف حذائي من طين الشتاء ، فقد كانت ترقبنا من خلف النافذة ، وأنا سعيد بانتصاري عليها وخروجي دون تلميع الحذاء ، وفي منتصف الشارع سمعت : خالد : فوقفت منتصبا ، ثمّ قالت : تعال ، وآه من عودتي سمعت توبيخا شفويا وتعبيرات وجهها العابسة الحازمة الحاسمة ، وبكل هدوء خلعت حذائي ونظفته بأقمشة قطنية وضعتها خصيصا لذلك ، ثمّ لمّعت حذائي بالفرشاة والورنيش ، وهي واقفة صامتة ، لكن نظراتها تحكم وتحذّر وترعد وتبرق ، وجاء التنبيه : آخر مرة تخدعني مفهوم ، ولا أملك تبريرا أمامها سوى قولي : مفهوم ،
وترقبني من النافذة ، وأنا أسبّ وأشتم في صمت ، ولما رأتني أشير بذراعيّ ، نادت وقالت : خالد ، فعدت بسرعة جدا ، ثمّ قالت في حدة : ماذا تقول ؟ ،
فقلت : لا شيء ، هل سمعت منّي شيئا ؟؟ ،
فقالت ، وهي تهزّ رأسها بطيبة وحنان : حبيبي : عندما تعمل عملا ؛ اعمله بحبّ ، فكم تثاب من الله على ذلك من الله ! ، فابتسمت وقلت : ونعم بالله ، وتقبّل رأسي ، وما أجملها جائزة تشرح الصدر وتسعد القلب وتبهج الروح ! ، فأقبّل يدها ، وتلمس بأناملها خدودي مداعبة ، وتبدأ أجنحتي تحلق في سموات الفرح ،
وحين العودة من المدرسة ، لا أجرؤ على دخول البيت إلا بإذن وزير الأمن الداخلي إنه سيادة اللواء أمي ، وقبل أن تراني أهندم نفسي وملابسي ، وعند رؤيتها أقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فتردّ بصوت هادئ ، وهي تتفقّدني من شعري حتى قدميّ ، وعيناها تصوّرني ، وآه لو لمحت زرا مفقودا أو احمرار في خدي ، فعليّ أن أقدّم مبررا لذلك دون كذب ، وبعد السماح بالدخول ، أحمل جوربي معي للغسيل ، فالجورب في جمهورية أمي لا يُلبس مرتين ، فتقول : توضّأ لصلاة الظهر ، وأثناء الوضوء يبدأ مفتّش المباحث سيادة اللواء أمّي بتفتيش حقيبتي المدرسيّة ، وآه لو رأت شيئا نسيه صديق لي ، أذكر ممحاة محمود هاشم ، فحين انتهيت من وضوئي تقدّمت إليها ؛ لأريها الماء قد وصل للمرفقين وأعلى الكعبين ، فتقول : هل قلت دعاء الانتهاء من الوضوء ؟؟ فأذكره أمامها ، ثمّ تسألني عن الممحاة ؟ ما هذا ؟ ، فقلت إنها ممحاة محمود هاشم ، فقالت وأين ممحاتك ؟ ، فقلت نسيتها في درجي ، ثمّ يبدأ سيل الأسئلة : ولم لم تعطها له ؟ ، فقلت : لقد خرج بسرعة ، فقالت : لا تستخدمها هنا ، وأعطها له غدا عند رؤيته صباحا ، فلا أملك إلا أن أقول : بإذن الله سأفعل ، أعتذر لك يا أمي ،
وهكذا كان شعاري في نهاية اليوم أصرخ لأصدقائي في الفصل : من له شيء معي ؛ فليأخذه قبل أن أخرج ، في حين كأن أصحاب الأدوات هم الذين يأتون ؛ ليأخذوا أدواتهم ممن استعارها منهم ، وحتى لا أطيل عليكم ، ذكّروني حتى أحدّثكم عن أمّي وزير إعلام المنزل ، رحمها الله ، حبيبة قلبي وعمري .

تعليقات
إرسال تعليق