معاطي أجمل أب في العالم....خالد سليمان
معاطي أجمل أب في العالم ، بقلم وألوان :*خالد سليمان
**************************************************
في صباح باسم دافئ ، كعادتها أيقظتني عصفورة الصباح المغردة بزقزقة تبهج قلبي ، - سبحان الله - هي لا تعرفني ، ولا رأتني ، ولا أجعلها تراني ؛ حتى لا تخاف ، ولكنّي تقديرا لها ؛ أسقي ورودي الجميلة في شرفتي المفضّلة ، وأضع إناء من الماء ؛ لتشرب منه عصافير الصباح ، وحين أسمع صوتها ، أسرع ؛ لأراها تشرب من إنائي ؛ فأمتلئ بهجة ؛ لأنني قدّمت معروفا ، ربّما يكون بسيطا في نظري ، ولكنّه عند الله عظيم ، فلا تحقرنّ من المعروف شيئا .
خرجت منطلقا لعملي متفائلا ببهجة داخليّة ، وأكثر ما يؤلمني في الصباح الجميل مشهد متكرّر لمن يبحثون في القمامة ، ويقلّبون فيها ؛ ليجدوا ضالتهم من علب فارغة ، أو زجاجات بلاستيكيّة ، وحين تتأمّل أحدهم تصدمك ملابسه الملوّثة بشكل مقزّز ،
إنّه معاطي ، أو كما يحلو لي إنّه عمي معاطي ، وجهه تغشاه طيبة من نوع أبويّ كريم ، ما إن أقترب منه ؛ حتى يبشّ في وجهي بابتسامة ما أحلاها ! كفاكهة صباحية كريمة .
كلّ صباح يمضي عمي معاطي وفريقه المكوّن من أصدقائه الخمسة ، وكلّهم لا يختلفون عنه في ملامحه ، لولا بشاشة وجهه العطوف المميّزة ،
وتمرّ اللحظات وأذهب إلى عملي وأعود ، وفي موقف السيّارات ، وجدت فريق عمي معاطي يجلسون بجوار السيارت : من يشرب شايا ومن يأكل ، ومن يستعدّ لتدخين سيجارته ، بينما عمي معاطي يتأمّل في الوجوه تارة ، وينظر للأرض تارة ،
وبعد نزولي بلحظات ، استوقفني صوت عمي معاطي ، وهو يقول بنبرة واضحة : بسرعة بسرعة ، يللا نمشي بسرعة ، بنتي هتشوفني وهي راجعة من كليتها ، فنظرت خلفي ؛ لأرى معاطي وفريقه الهارب من المواجهة يتوارى بين السيّارات ؛ ورأيت على بعد خطوات مجموعة من الطالبات ينزلن من سيارة ، وكل واحدة منهنّ تساعد أختها في حمل أمتعتها ، وحقائبها الكبيرة وسط ابتسامة مشرقة على شفاههنّ ، وكلمات باسمة يتبادلنها ،
ولكن ما علاقة معاطي بهنّ وفراره منهنّ ؟!!!! .
ويبدو أنّ معاطي كان فاشلا في الهرب ، فقد لمحته ابنته ، وقد عرفتها من خلال بشاشة وجهها ، وخطواتها الباحثة عنه ، وهي تقود فريقا آخر يحمل حقائب السفر ، وتقدّمت نحوه ؛ لتلقاه ؛ فابتسمت في وجهه المترقّب ، وسرعان ما تركت حقيبتها ، وهي تقول : ((بابا حبيب قلبي معاطي الراجل ده أعظم أب في الدنيا ، إزيك وحشتني ))
وهو لا يملك وسط دهشة الحاضرين سوى الصمت والنظر الحائر ، فبعضهم يظنه قد اختطف شيئا منها وهي تمسكه ، وبعضهم يظنّها تتصدّق عليه ، ولا يتصوّر أحدهم أنّ هذه الفتاة ترى أباها بعد غياب ، وهو لا يملك إلا أن يقف صامتا ، كأنه أخرس ، لا يملك إلا أن يقول : أهلا يا بنتي ، بس هدومك يا بنتي هتتوسّخ ، طيب خلينا للبيت ،
وهي تقبّل يديه وتجذبهما نحوها ، وهي تقول بفرح وابتهاج لصديقاتها : ((هذا أبويا أعظم أبّ في الدنيا يا بنات ))
وعمي معاطي لا يملك إلا أن يبتسم قائلا : أهلا أهلا ، وينظر للأرض محاولا الهروب من المشهد ومحاولا الابتعاد جانبا ، ولكنّ ابنته لا تعطيه فرصة أبدا ،
مشهد عمره ثلاثة دقائق ، جعلني واقفا بعمري وأيّامي أمام هذه التربية الكريمة ، فالأبّ الذي تحوّل إلى ضحية مجتمع ، يبحث في أكوام القمامة قبيل استيقاظ الناس ، فقد حدّثني يوما أنّه يصلي الفجر ، ويتناول فطوره السريع ؛ ليخرج لالتقاط رزقه ؛ ليجمع زجاجات بلاستيكية أو الورق المقوّى أو علب المياه الغازية الفارغة ، ثمّ يعود ليصلي الضحى ، ويخرج ليواصل بحثه عند موقف السيارات حتى صلاة الظهر ،
والبنت الجامعية العائدة ؛ لتقضي أيّاما بين أهلها ، قبيل اختبارات آخر العام ، هذه الجامعية الأنيقة لم تتعال على أبيها ، وهي بين صويحباتها ، بل طارت شوقا وحبّا لهذا الأب الكريم ، وحوّلته لمعنى كريم ، وربّما يكون لقاء اليوم تكريما ربّانيّا كريما وإنعاما ودودا من ربّ العالمين لهذا الأب الكريم فنعم الرزق ،
فالرجل ليس لصّا يعشق الحرام ، بل شريفا يبحث عن الحلال ، في ضوء قدراته وتفكيره ،
وهذا المشهد لا يعيشه اللصوص والفسدة ، فأبناء اللصوص فاسدون يعقّونهم ويكرهونهم ، وأبناء الشرفاء طيّبون ، ظللت متابعا للموقف حتى افترق عمي معاطي عنها وهي تمضي مع صويحباتها وحقائبهنّ الثقيلة إلى حيث سيارات تقلّهنّ إلى بيوتهنّ .
مشهد عاشه وجداني ، لا يقدّر بمال ، فكم رأيت من يستحيون من رؤية آبائهم أو أمهاتهم !
وربّما كان آباؤهم بالنسبة لمعاطي ملوكا وأمراء ، فما بالكم بهذا القلب الراقي يطير ابتهاجا برؤية أعظم أب في العالم ؟ ، وما بالكم بقلب هذا الأب الذي يعيش مشاعر ابنته فما أراد إحراجها ، وحاول أن يتوارى ، ولكنّ عيناها تبحثان عنه ؛ لترحبّ به وتفخر ، وتقبّل يديه بصدق ، وتقدمه لصديقاتها ، بأنّه أعظم أب في العالم .
اللهمّ ارزقنا عيونا ترى عبادك البسطاء الشرفاء كراما أعزّة علينا ،
وارزقنا قلوبا لا تحب إلا فيك ولا تبغض إلا فيك ،
وارزقنا قبولا في قلوب عبادك ؛ نسعد به يوم لقياك يارب ،
اللهم أكرم عمي معاطي وكل معاطي يارب ، وارزقه رزقا حسنا ،
فكفاه أنّه علمني أنّ الرزق ليس محصورا في المال وأعراض الدنيا ، بل بسمة القلب رزق ، وألفة الروح رزق ، وهدوء البال رزق ، والقناعة رزق ، وحب الأبناء رزق ، وطيبة القلب رزق ، والقدرة على العفو رزق ، والسماحة رزق ، وعدم التطلّع بحسد لما في يد الآخرين رزق ،
سبحان الله !
لست يا معاطي أجمل أب في الدنيا ، بل أغنى الناس وأغلاها .

تعليقات
إرسال تعليق