لاتبكي ياماما....مصطفى دهور
أعزائي القراء سلام الله عليكم !
أتمنى أن تنال هذه القصة رضاكم وتلقى تشجيعاتكم.
لا تبكي يا ماما !
كانت منال في الرابعة عشرة من عمرها.كانت كثيرة الضحك . كانت تضحك في بعض الأحيان من غير سبب يدعو لذلك ، الشيء الذي كان يزعج بعض الأساتذة ، خاصة أستاذ اللغة العربية الذي لم يراع شعورها ذات يوم ، إذ قال لها أمام التلاميذ : يجب أن تعرضي نفسك على طبيب مختص ، فضحكك من غير سبب هذا هو ضحك مرضي.
بعد ذلك ، أمرها أن تغادر الفصل فورا ، ولن تعود إلا مصحوبة بولي أمرها.
غادرت الفصل وهي تضحك ، لكن سرعان ماأجهشت المسكينة بالبكاء وهي تعبر الساحة لتجد نفسها ، بعد أقل من دقيقتين خارج المدرسة.
آه لو كنت تعلم أيها الأستاذ الكريم ! أنت أصدرت أمرك المطاع وأنت لاتبالي ، لأنك لم تفكر ولو مرة واحدة أن تعرف مابهذه الفتاة ، وماسبب ضحكها بدون سبب ! لو كنت تهتم فعلا بتربية هؤلاء الأطفال ، لعلمت أن الكآبة التي تملأ قلب هذه الفتاة هي السبب في ضحكها الهستيري ، ولكان من الممكن ألا تقدم على إهانتها أمام التلاميذ ، والتعميق من جروحها !
لم يكن عمر هذه الفتاة يتجاوز الثمان سنوان عندما توفيت أمها وتزوج أبوها من امرأة أخرى ذاقت معها كل ألوان القهر والتعذيب. أضف إلى ذلك أنها لم تكن محرومة فقط من حنان الأم ، بل كانت أيضا ضحية تسلط الاب الذي لم يكن يتوانى في عقابها لأتفه الأسباب إرضاء لزوجته. كانت حياتها أشبه بحياة الدمى المتحركة ، وكان أبوها وزوجته هما المحركان لها وفق رغباتهما ! كانت تعاني من الضرب والإهانة والإذلال في صمت ، والبكاء بعد الشعور بالألم لم يكن هو الآخر من حقها ! أصبح الحزن يملأ قلبها الصغير ويطبع مزاجها ، ومع توالي الأيام والشهور والسنين ، أصبحت حياتها أشبه بجحيم تكتوي بنارها التي لاتهمد ولا يخمد لهيبها ، وأصبح الشارع هو المتنفس الوحيد لعواطفها المكتومة ، فيأتي الضحك من غير سبب ، أو لأتفه الأسباب ، ليخفف من الحالات الإنفعالية التي تكتم أنفاسها داخل البيت ، فيتحول شعورها بالحزن والكآبة إلى سعادة مزيفة ، فتراها تضحك بشدة والدموع تنهمر بغزارة من عينيها.
في صباح اليوم التالي ، كانت زوجة أبيها هي من سيصطحبها إلى المدرسة ، نظرا لأن الأب كان يعمل بالليل ولن يعود إلى البيت إلا حوالي الثانية بعد الظهر. لم تكف المرأة خلال كل هذه المسافة التي تفصل البيت عن المدرسة من سب الفتاة وشتمها وضربها على القفى وركلها من الخلف كما تركل الدابة. لم يكن بمقدور الفتاة المسكينة فعل أي شيء ، سوى أن تدرف الدموع في صمت. كانت مفاصلها ترتعش من شدة الخوف ، وكانت تتعثر في مشيتها أمام أنظار كل التلاميذ المتواجدين في نفس الطريق الذي يؤدي إلى المدرسة.
كم أنت قاسية أيتها السيدة ! أقلبك قطعة من حجر ؟ تجعلين ابنتك ذات الست سنوات تعيش في كنفك كأميرة ، تحيطينها بعطفك وحنانك وتشملينها برعايتك ، في حين تعتبرين ربيبتك كخادمة أو أكثر ، وتذيقينها ألوانا من العذاب والمهانة ! إنها المسكينة يتيمة الأم ! ألا يعني لك هذا شيئا ؟ ألا تعلمين أن نبينا الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام قال مرة ( انا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين واشار باصبعيه السبابة والوسطى ) ؟ لكن هيهات أن تعلم امرأة جاهلة مثلك هذا !
استقبل الأستاذ المرأة وكان منفعلا جدا. قال لها بصوت عال " ابنتك غير مهذبة. إنها تزعجني وتزعج كل التلاميذ بضحكها وسط الفصل . . يجب أن تعرضوها على طبيب نفساني . . إنها مريضة."
قالت المرأة ، بعد أن رفعت يدها لتصفع الفتاة " أنا من سيريحك من كل الإزعاج الذي تسببه لك ."
كانت منال مطأطأة رأسها. انهالت عليها المرأة بضربة موجهة إلى الوجه ، لكنها لم تدر ماوقع لها وكيف وقع ، إذ زلت قدمها ووقع لها مايقع لذلك الملاكم الذي يفقد توازنه عندما لايصيب خصمه ، فمال جسمها كله إلى الأمام ، واصطدم رأسها بالحائط. كانت ضربة موجعة جدا سقطت المرأة على إثرها على الأرض. ياللهول ! لقد أغمي عليها ! تجمهر حولها عدد كبير من التلاميذ ، ثم جاء السيد المدير والحراس العامون . . انتظروا كثيرا قبل أن يطلبوا سيارة الإسعاف ليقتادوها إلى المستشفى.
بعد إجراء جميع الفحوصات اللازمة ، قال الطبيب بأن الضربة كانت قوية جدا ، فأصيب المركز البصري الموجود في الدماغ بخلل ، وبهذا تكون المرأة قد فقدت بصرها إلى الأبد ، ولن تنفع معها أي عملية من أي نوع كانت.
إيه يا دنيا ، كم قهرت من جبار ، وهذا مايعجبني فيك ! هاهو السحر ينقلب على الساحر ، وهاهو الظلم يلقى حتفه !
عادت المرأة بعد يومين إلى البيت وهي لاترى شيئا. كانت تبكي بمرارة وتتمنى الموت. قالت لها منال " لاتبكي ياماما ولاتتمني الموت ! سأكون أنا عينيك التي تبصرين بها. سأغادر المدرسة لأقوم بخدمتك على الوجه الذي يرضيك وأحسن ؛ أما ابنتك بسمة فهي أختي ، وسأقوم بتربيتها والسهر عليها . "
لم تصدق المرأة ماسمعت !
- ماذا ؟! أبعد كل العذاب الذي ذقتيه معي طوال حياتك ، تقولين مثل هذا الكلام ؟!
قالت الفتاة ببراءة ، وقد اغرورقت عيناها دموعا :
- نعم ياماما ! ألست أنت ماما ؟
مصطفى دهور. أستاذ اللغة الفرنسية.
الدار البيضاء.

تعليقات
إرسال تعليق