إلى أمي الغالية....خالد سليمان
الحلقة الثانية : إلى أمّي الغالية - رحمها الله ، وزير إعلام المنزل :*بقلم خالد سليمان
**************************************************
أمّي هي المسئولة عن المصنفات الفنيّة في المنزل وهي الرقيب على الألفاظ المسموعة والمقروءة والصور المرئيّة ، فأذنها لا تلتقط لفظا منّا إلا وحوكم قائله محاكمة عسكريّة عاجلة عادلة ، إمّا أن تكون كلمة طيّبة ؛ فتشكر صاحبها وتكافئه ، وإمّا أن تكون كلمة خبيثة ؛ فتنهى عنها مبينة سبب خبثها ويأتي التحذير بعدم التلفّظ بها .
وإذاعتنا المنزلية تبدأ بقرآن السادسة صباحا ، نسمعه ونحن في فراشنا ونهيم في أجواء القرآن يأخذ خيالنا في رحلة رائعة مخترقا حجاب الزمان والمكان نسافر إلى الله ونعيش صفاته ، ونسافر إلى مخلوقاته وعالم الغيب بكلّ مفرداته : الملائكة ، والجن والقلم واللوح والعرش ، ويأخذنا إلى عالم الشهادة : الإنس والدواب والحشرات والأسماك والأشجار والنباتات والأزهار والجبال والأنهار والصخور والرمال ، كل مخلوق يزرع في قلوبنا تسبيحة ، سرعان ما تزهر شجرة إيمان أصلها ثابت وفرعها في السماء ،
وكنّا نهيم في قصص القرآن وشخصيات القرآن آدم وصراع مع إبليس ، وإبراهيم وحواره مع أبيه ، ونوح وعناد قومه ، ويوسف وحسد إخوته له ، وموسى وصراعه مع فرعون ، صار الأنبياء أقارب لنا من كثرة استماعنا للقرآن ،
وبعد قرآن السادسة يأتي الأمر العسكري بالاستعداد للمدرسة ، وعندما نعود يكون تفتيش ما بعد المدرسة ، وبعد صلاة العصر نستعد للاستذكار ، كلّ في مكانه لكتابة الواجبات ، ويبدأ السؤال التقليدي من الذي عوقب في المدرسة ؟ ، وتحقّق أمي في الجريمة وما سبب العقاب ؟ وتحكم هي حكمها المعروف : أنت المخطئ ، ثمّ تسألنا فردا فردا : ماذا أخذت في الحصة الأولى ، والثانية حتى الأخيرة ؟ وما واجباتك ؟
وأذكر لكم موقفا عن دقة الرقابة على كلامنا ، عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي ، في صباح يوم مشمس رائع كانت حصتنا الأولى ألعاب أو تربية رياضية وبينما كنّا نلعب سمعت مدرّس التربية الرياضية يصرخ في صديق لي قائلا عفوا : (ده أنت حمار ابن كلب) ، بطريقة عجيبة أثارت انتباهي ، وظللت أردّدها بيني وبين نفسي نظرا لإيقاعها ونغماتها العجيبة ، وتفكيري كلّه دهشة ، كيف يكون حمارا وأبوه كلب ؟ ، وعندما عدت إلى المنزل جلست في غرفتنا بمفردي ، وكان الباب مفتوحا وتذكّرت سيمفونية (ده أنت حمار ابن .....) ورددتها كما قالها مدرّس الألعاب ، ردّدتها مرتين ، وفي الثالثة وجدت أّمي مزروعة مكان الباب ، وهي تقول صارخة : ماذا تقول ؟ أنت سمعتها فين ؟ مين ؟ انطق ، تكلّم ، أنت ساكت ليه ؟ هل لديك أقوال أخرى ؟
فوقفت كقلم الرصاص مدهوشا من المفاجأة ، فقد كنت حريصا على خفض صوتي ؛ فكيف سمعت ؟؟!! ، وقصصت لها مرتبكا ما حدث بين مدرس الألعاب وأحد أصدقائي ، فوجدتها قد ابتسمت ، وما أجملها حين تبتسم !
فيكفي أنّك في أمان من العقاب ، وأنا اتّسع صدري ، وبطفولة رقيقة سألتها : كيف يكون حمارا وأبوه كلب ؟ ، وهي قد علت ضحكتها في أركان المكان ، وحين تنظر لي ؛ أكررها : نفسي أعرف هو حمار وأبوه يجب أن يكون حمارا لكن كلب ، وتضحك أكثر ، وأنا ظننت نفسي من فرحتي بضحكتها أنني عادل إمام حين يأخذنا في جولة من التغابي مرددا السؤال ببراءة مصطنعة مني : يعني إيه المضحك في سؤالي أم أنك لا تعرفين الإجابة ؟؟؟!!!
فتضحك أكثر ، وسرعان ما انسحبت ضحكتها ، وارتسمت ملامح الجد والانضباط العسكري على وجهها قائلة : بس خلاص ، فنظرت إليها مخفضا صوتي لأقل درجة هامسا : حاضر حاضر ، لكن كيف يكون حمارا وأبوه كلب ، نفسي أعرف ، وهي قد اختلّت مفاصلها من الضحك من جديد وأنا لا أستطع الضحك ، وغبت في بلاهة التغابي هامسا : حمار وأبوه كلب كيف هذا ؟؟؟!!!
وبعد لحظات أصدرت فرمانا عسكريا ذا لهجة حادة : إياك أن تردّد هذه الكلمة ، ولو ردّدها أخوك فسوف تعرف عاقبة أمرك ، وعند العشاء تجمعنا حول المائدة ، وما إن تلاقت عينايّ بها ، ورأتني ، أصيبت بنوبة ضحك جعلتنا جميعا نضحك فأنا أعلم السبب ، وضحكنا لضحكها كطفلة في الرابعة حين يداعبها أبوها ، ونسيت نفسي فقلت : هل عرفت إجابة سؤالي عصرا ؟؟؟
فارتسمت ملامح حضرة اللواء على ملامحها وقال : اخرس مفهوم ، ومع حرف السين في كلمة اخرس قد انكفأ وجهي في طبقي ، ولم أحاول النظر إليها ؛ حتى لا أحترق من غضبها ، وهرولت سريعا ، لمطبخها تكمل ضحكها المخبوء في صدرها ، وحدّثتني نفسي أن أذهب إليها في مطبخها لأكمل سيمفونية تغابي عادل إمام ، ولكن بصراحة خشيت على نفسي أن تضعني على شعلة البوتاجاز ، فآثرت السلامة .
وفي تمام الثامنة مساء يجتمع الجميع وهو متوضّئ ؛ ليسمع قرآن الثامنة لمدة ربع ساعة فقط رغم أنّ مدته نصف ساعة ، قائلة : سنزيد الوقت بعد ذلك ، وقبل بدء التلاوة نجلس على سجادة صلاتها كأفراخ صغار تنظر إلينا وترقبنا ، قائلة : القرآن كلام الله ، فالله يتكلّم ؛ فعلينا أن ننصت ، حتى تظللنا الملائكة ، فقد أخبرنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك ،
وعندما أسمع ذلك أنظر لأعلى ، وأتخيّل رفيف أجنحة الملائكة البيضاء الوردية ، ويبدأ الإنصات ، وهل يجرؤ أحد في حضرة أمي أن يهمس بكلمة أثناء التلاوة ، أو ينظر لأخيه ليضحكه ؛ وكم راودني الشيطان كثيرا لأفعل ذلك ! ؛ لولا حضور سيادة اللواء أمي ، وبعد التلاوة ، تبدأ حصة مناقشة شفوية : عمّن تحدّثت الآيات ؟؟ وماذا حدث في موقف كذا ؟ وماذا نتعلّم من الآيات ؟ ، وكانت تفتح لنا الأسئلة بشكل يجعلك تعيش الموقف ، وتبدأ أمطار الأسئلة ، ولا أخفيكم علما كنت دائما المسئول الثاني ، فكنت أستفيد من خطأ الأول ؛ لأنال في النهاية حضنا دافئا وقبلة رضا من أمي ، فما أسعدني !!!
ثمّ تأتي الأخبار في الثامنة والنصف ليلا في مذياعنا ، وهي قد ألجمتنا حتى لا نهمس قائلة : اسمعوا الأخبار حتى نرى أبطال فلسطين ماذا فعلوا بالمجرمين اليهود المحتلّين لفلسطين ،
وكلّ ما أذكره وأنا في الثالث الابتدائي ، أخبار فلسطين والفدائيين ومتابعة أمّي باهتمام أخبار العمليات الفدائية الناجحة ، وتفرح بمقتل يهود في عمليات استشهادية بطولية ، وأحيانا من فرحها تضمنا ؛ لتسقط هيبة اللواء أمي ؛ لتتحولّ لطفلة في الثالثة : فنحضنها جميعا ، وفي لحظة تزمجر ليعود اللواء بهيبته العسكرية الصارمة ، - رحمها الله - أرضعتنا حب مصر قائلة : مصر قلعة الإسلام وأنتم الأبطال ، وأرضعتنا كراهية اليهود لدرجة أنني كنت أعتقد أنّ فلسطين هي أختي الكبرى التي خرجت ولم تعد ، تبكي عيونها حين تسمع بجرائم اليهود ، وتفرح وتتألق ملامحها بهزيمة يهود ، وتغلق المذياع ، وترفع يديها داعية الله الانتقام من يهود ، وأن ينتقم ممن يساعدهم ويؤيدهم ، وتدعو الله أن ينصر الحقّ وأهله ، وأن يهزم الباطل وأهله ، وتقول لنا : أنتم أطهر مني قولوا : آمين ، فنقول : آمين ،
ولا أنسى أنني كنت كثير الأسئلة ، وهي توضّح قدر الإمكان ، وعندما لا أقتنع تقول : اسأل معلمتك في الفصل ؟ وتعالى أخبرني .
وهكذا كانت أمي معنيّة بشئون البيت الثقافية والإعلامية والتعليميّة ، فهي حكومة كاملة كاملة رحمها الله وجزاها خيرا عن كل لحظة حبّ وعلم ومسئوليّة .

تعليقات
إرسال تعليق