ثقافة الاعتذار....صالح العطوان الحيالي



ثقافة الاعتذار .. إكبار لا انكسار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د . صالح العطوان الحيالي -العراق-14-3-2018
يعتقد الكثيرون أن الاعتذار هو سمة من سمات الشخصية الضعيفة، ولكن هذا المفهوم خاطئ, ولكي يستطيع أي شخص تقديم الاعتذار بصورته السليمة عليه أن يتقن فن الاعتذار...لا يوجد إنسان على وجه الأرض معصوم من الوقوع في الخطأ، فكلنا بشر حتى لو صوبنا تركيزنا كله نحو عدم ارتكاب الأخطاء لن ننجح فنحن لسنا ملائكة بالتأكيد، ولكل خطأ نرتكبه رد فعل ينعكس علينا أو على من حولنا، لذا وجب علينا التعامل مع ردود أفعال الأخطاء الصادرة منا بطريقة صحيحة، فمن نبع منه خطأ تسبب في أذى شخص آخر لابد أن يقدم الاعتذار له بشتى الطرق.
ولكي يستطيع أي شخص تقديم الاعتذار بصورته السليمة عليه أن يتقن فن الاعتذار، فالاعتذار بالفعل هو فن وثقافة فهو ليس مجرد كلمة “أنا آسف” بل هو خليط من عدة أفعال وأمور مختلفة لابد أن تجتمع معا حتى يحقق الاعتذار المراد منه.
يعتقد الكثيرون أن الاعتذار هو سمة من سمات الإنسان ذو الشخصية الضعيفة، ولكن هذا المفهوم خاطئ تماما وليس له أساس من الصحة، فالاعتذار هو ثقافة عالمية تدل على شخصية قوية حكيمة تقدر الآخر وتعترف بأخطائها وتتجنب الإضرار بمشاعر الآخرين. أن ثقافة الاعتذار له منابع عدة، وحتى إذا فُقدت هذه المنابع لابد و أن يخلق الشخص ثقافة الاعتذار في شخصيته، فعندما ينشأ الشخص في منزل لا يقدم فيه أحد اعتذار على أخطائه بالتأكيد سينعكس هذا على شخصيته بالسلب، فالآباء يعتقدون أن من الخطأ تقديم الاعتذار للصغار، وهذا ليس صحيح.
ترتبط ثقافة الاعتذار أيضا بالمجتمع والمدرسة والجامعة فالبيئة المحيطة بالشخص تساهم في تكوين ثقافة الاعتذار لديه، كما أن للدين أيضا دور أساسي في تكوين هذه الثقافة لدى الشخص لما يحمله من مبادئ كثيرة تحث على التسامح.
يعتقد كثيرون أن الاعتذار نقطة ضعف لا يجب إظهارها، كونها دليل انكسار وهزيمة لا تليق بهم، ومن هذا المنطلق فإن أشد المكابرين الرافضين للاعتذار، هم من الذين يصنفون أنفسهم كطبقة مثالية لا تخطئ وإن أخطئت فهي سامية لا تعتذر لمن هم دونها مرتبة، وفي هذا شيء من صفات الشيطان ألا وهو الكِبَر.
الاعتذار ليس دليل ضعف أو فشل، كي نخجل منه، يكفي أن نعلم أن مجرد الاعتذار، هو اعتراف بالخطأ ورجوع عنه، وبالتالي فإن ترجمة هذا الشعور إلى فعل حسي ملموس، يحتاج إلى قوة محركة تجبر النفس على النزول إلى الحق ومحاسبة ذاتها، وهذا لا يكون إلا عند من ملك صفة الشجاعة. إذا كنت من الذين يَجّبُرون الإساءة بالاعتذار فاعلم أنك شجاع.
في بعض المجتمعات يعتبر الاعتذار جزءاً من مقوماتها وثقافتها الفكرية، فتراهم يزرعون في أطفالهم ثقافة الاعتذار منذ الصغر، حتى أن الأمر عندهم وصل حداً جعلهم يقرنون الصفح عن المخطئ، أو تخفيف العقوبة عن المجرم بالاعتذار، وسنجد أنه وعندما تخطئ النخب في هذه المجتمعات فإن أول مطالب هو دعوة المخطئ للاعتذار عن خطئه بحق الدولة والمجتمع وحتى الأفراد.
 الاعتذار ليس كلمة تقال في زحمة الحديث وتبرير الخطأ، أو البحث عن مخرج من الورطة التي سببها سلوك ما خاطئ، الاعتذار يعني الاقتناع التام بأن هناك خطأ ينبغي تصحيحه، وهو ما أوجب الاعتذار، وبالتالي فإن نوع الاعتذار لابد وأن يقترن بنوع الخطأ وحجمه. أن نخطئ فنعتذر لا يعني أننا أشخاص سيئون، بل جيدون لأننا نحاول إصلاح أخطائنا، فليس من بشر معصوم عن الخطأ بعد الرسل.
الاعتذار الصحيح له شروط لابد من توفرها، وأهمها: سرعة المبادرة بالاعتذار، عدم محاولة تبرير الخطأ، الصدق في الاعتذار، عدم التعالي أو التلاعب بالكلمات، اختيار الوقت
قد تكون نية البعض بالاعتذار صادقة، لكن طريقة اعتذارهم ربما تزيد الأمر سوءاً، فتفاقم المشكلة بدل حلها، ومرد هذا الأمر جهل بثقافة الاعتذار والسلوك الذي ينبغي إتباعه، فالاعتذار هدية تعبر عن تقديرنا وحبنا أو احترامنا لمن أخطأنا بحقهم. اعتذر أولا عن الخطأ وبشكل واضح وصريح لا لبس فيه، ثم ناقش وبرر ووضح في حال دعت الضرورة لذلك.
الخطأ مع الله عز وجل هو أعظم الأخطاء حيث يقابله استغفار وتوبة نصوح، وهو أسمى مراتب الاعتذار، والتوبة هنا أسف وندم مقرون بتعهد على عدم الرجوع لهذا الخطأ مجدداً، لكن الإنسان بطبعه مجبول على الخطأ، فنجده يعود إلى معصية الخالق بشكل أو بآخر، فيذنب ويتوب ثم يذنب ويتوب، ولايزال الله يغفر ويقبل توبة العبد مالم يغرغر. يقول الله عز وجل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). الزمر:3. (كل إبن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) حديث. 
الاعتذار قيمة إنسانية وأخلاقية عليا نحتاجها باستمرار، لأنها مرتبطة بالخطأ، والخطأ جزء من تركيبتنا السلوكية ولا يمكن التخلص منه لأن ذلك ينافي طبيعتنا البشرية، ولذلك جاء الاعتذار بمثابة الدية المناسبة للخطأ.....في ثقافتنا الشرقية يبدو الاعتذار معيبا لدى البعض لأنه يمثل لديه حالة من الضعف والانكسار التي لا تليق بالرجل العربي ذي الأنفة والقوة والبطش....ولذلك يقال في كتب الأدب أن اعتذارية النابغة الذبياني التي قالها في النعمان بن المنذر كانت فاتحة هذا الباب في الشعر الذي لم يعرف هذا الغرض من قبل وبالتالي لم يعرفه المجتمع ولم يتداوله بين أفراده ومجاميعه.
وإذا كان للاعتذار قيمته الحضارية العالية، فإن قبوله من الطرف الآخر يمثل حالة لا تقل عن الأولى بل تتفوق عليها لأنها تصدر ممن وقع عليه الضرر وتأذى منه.
لا يعتذر إلا من كان متصالحا مع ذاته وثقته بنفسه عالية وتسيره منطلقات وأفكار راقية ومتسامية، ولذلك تجد أن من تنقصه هذه المبادئ والمثل العليا، حتى لو شعر في قرارة نفسه بحجم الخطأ الذي ارتكبه فإنه يلجأ للتبرير، والمكابرة، والهروب للأمام، بما يكشف ضعف وهشاشة بنيته الثقافية والسلوكية، وأتذكر في هذا الصدد مقولة ديل كارنيجي (كل أحمق يستطيع الدفاع عن أخطائه أما أن تعترف بأخطائك فهذا هو سبيلك إلى الارتفاع فوق درجات الناس وإلى الإحساس بالرقي والسمو)..
 الاعتراف بالخطأ فضيلة، والاعتذار عنه فضيلة أخرى، كلاهما فضيلتان تعززان الحفاظ على روابط الألفة والمحبة بين البشر، وهما في نفس الوقت وسائل تمنعنا من فقدان من نحب. الاعتذار بلسم يشفي الكثير من الجروح، ويمنع تطور الخصومة إلى جفاء فعداوة!
يعتقد البعض أن من البشر من لا يستحق الاعتذار، في حين أن البعض الآخر لا يتردد بالاعتذار لشخص غريب، لكنه يجبن عن الاعتذار لقريب أو صديق، وهذا تناقض صارخ مرده لأحد أمرين: إما استعلاء وتكبر، أو أنه يتوقع من الطرف الآخر أن يتفهم الموقف ويسامحه بشكل آلي؟
بعض الناس لا يعتذر لمن هم دونه، لكنه لا يتردد في بذله رخيصاً لمن هم فوقه، أو لجهة قوية نافذه يخشى ردة فعلها، وهذا لعمري قمة الضعف، لأن الخوف كان هو الدافع للاعتذار، الأمر الذي يمكن تصنيفه بالحالة المرضية أو سوء الفهم. الاعتذار لغة النفوس الراقية التي تحترم ذاتها، ولا يكون إلا بطريقة ودية تعبر عن رقي وفهم المخطئ لخطأه، وحرصه على عدم خسارة من أخطأ بحقهم.
الاعتذار الصحيح له شروط لابد من توفرها، وأهمها: سرعة المبادرة بالاعتذار، عدم محاولة تبرير الخطأ، الصدق في الاعتذار، عدم التعالي أو التلاعب بالكلمات، اختيار الوقت والطريقة المناسبتين فليست كل الأخطاء واحدة. 
الاعتذار بحسب سيكولوجية الأشخاص، له أنواع متعددة أصنفها كما يلي:
الاعتذار فن إنساني لا يتقنه جميع البشر، رغم أنه لا يتطلب علماً أو ثقافةً كبيرين، بل شيء من أدب وتواضع، وقدرة على كبح جماح النفس الأمارة بالسوء
اعتذار شكلي: أو سطحي وغالباً ما يكون رفعاً للعتب، لكنه بالعموم غير صادق.
اعتذار مجاملة: ويهدف لمجاملة شخص ما عن خطأ بسيط قد لا يستدعي الإعتذار وربما يكون بهدف لفت الانتباه.
اعتذار سريع: غالباً ما يتم تقديمه فور حدوث الخطأ، الذي ربما يكون عارضاً أو نتيجة سوء فهم، وسرعة الاعتذار لا تعني أنه رفعاً للعتب.
اعتذار مجادلة: هو اعتذار يصاحبه جدال لا يعترف بالخطأ، ويسعى لتبريره، وربما يكون اعترافا جزئياً بالخطأ أو رفعاً للعتب.
اعتذار المكره: يكون بناء على خشية من سلطة أو قضاء أو أشخاص ذوي نفوذ، أو تجنباً لخسارة شخص ما أو تلافي عقوبة.
اعتذار صريح: هو الاعتذار الواضح الذي لا لبس فيه، والناتج عن قناعة المعتذر بخطئه وسعيه لإصلاحه، ويركز على كسب ود الأخر.
اعتذار عام: اعتذار يسعى لكسب شعبية وهو الذي تقدمه شخصيات اعتبارية كالزعماء والمسؤولين، أو مؤسسات على صلة بالدولة والمجتمع.
الاعتذار فن إنساني لا يتقنه جميع البشر، رغم أنه لا يتطلب علماً أو ثقافةً كبيرين، بل شيء من أدب وتواضع، وقدرة على كبح جماح النفس الأمارة بالسوء، من هنا فإن أجمل أشكال الاعتذار، هو اعتذار القوي للضعيف، والكبير للصغير، والوالد للولد. 
مثلما أن الاعتذار واجب، فإن قبول الاعتذار والصفح أوجب، لأنه خلق الكرماء والنبلاء، وقبول اعتذار المعتذر لا يعني قبولاً بالأمر الواقع أو ابتلاعاً للإهانة، بل تسامح وإنصاف وحفظ للود وروابط الأخوة والصداقة. في حالة الوالدين فإن قبول اعتذار الأبناء هو مساعدة لهم على البر بهما.
ثقافة الاعتذار ممارسة تحتاجها مجتمعاتنا كثيراً، وينبغي زرعها في نفوس الأطفال، وبحيث تصبح جزءاً من ثقافتهم فتنعكس إيجابياً على مجمل علاقاتهم الاجتماعية لاحقاً، وعندها فقط سيستطيعون ممارسة الاعتذار بلا تردد ودون شعور بضعف أو خجل، فإن الدين المعاملة.  إن لم تكن لديك الشجاعة الكافية للاعتذار عن الخطأ، فاعمل جاهدا على ألا تحتاج إليه، فالحكمة تقول: إذا كان الاعتذار ثقيلا على نفسك فالإساءة ثقيلة على نفوس الآخرين أيضا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فراق....الأمير احمد

معجزة ...نظرة عينيك.....علاء فيشة